أحمد بن علي القلقشندي
126
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
واعتذر عنه بأن المقامات مدارها جميعها على حكاية تخرج إلى مخلص ، بخلاف المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له ، من حيث أن المعاني تتجدّد فيها بتجدّد حوادث الأيام ، وهي متجدّدة على عدد الأنفاس . وهذه المقامة التي قدّمت الإشارة إليها في خطبة هذا الكتاب ، إلى أنّي كنت أنشأتها في حدود سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ، عند استقراري في ديوان الإنشاء بالأبواب الشريفة ، وأنها اشتملت - مع الاختصار - على جملة جمّة من صناعة الإنشاء ، ووسمتها ب « الكواكب الدّرّيّة ، في المناقب البدريّة » ووجّهت القول فيها لتقريظ المقرّ البدريّ ، بن المقرّ العلائيّ ، بن المقرّ المحيويّ ، بن فضل اللَّه ، صاحب ديوان الإنشاء ( 1 ) بالأبواب السلطانية بالدّيار المصرية يومئذ ، جعلت مبناها على أنه لا بدّ للإنسان من حرفة يتعلَّق بها ، ومعيشة يتمسّك بسببها ، وأن الكتابة هي الحرفة التي لا يليق بطالب العلم سواها ، ولا يجوز له العدول عنها إلى ما عداها ، مع الجنوح فيها إلى تفضيل كتابة الإنشاء وترجيحها ، وتقديمها على كتابة الدّيونة ( 2 ) وترشيحها .
--> ( 1 ) كان ذلك في أيام سلطنة الظاهر برقوق بن آنص ، أول سلاطين المماليك الجراكسة . وقد توفي القاضي بدر الدين يوم الثلاثاء ، العشرين من شوال سنة 796 ه بمدينة دمشق . وفيه يقول الخطيب الصيرفي : « وكان له النظم الرائق ، واللفظ الفائق ، والإنشاء البديع ، والسيرة الحسنة مع القريب والبعيد ، والتصانيف الجليلة المفيدة لا سيما في الإنشاء ، وانفرد بالكلمة المقبولة ، وتعصّب لجماعة فأفلحوا ، وحط على جماعة فما نتجوا » . وفي قوله « تعصّب لجماعة فأفلحوا » ما يشير ربما إلى مساعدته لكاتبنا القلقشندي والأخذ بيده ، الأمر الذي أشار إليه القلقشندي نفسه ، والمقامة المذكورة هي من باب عرفان الجميل من قبل صاحب الصبح لأستاذه القاضي بدر الدين - راجع مقدمتنا لهذا الكتاب في الجزء الأول . ( انظر أيضا : نزهة النفوس والأبدان : 1 / 344 - 390 - 394 والنجوم الزاهرة : 12 / 140 - 141 ) . ( 2 ) أي الكتابة الديوانية ، وهو استعمال كان شائعا في ذلك العصر . والمراد بكتابة الديونة : كتابة الأموال .